القرطبي
79
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
حفظت منها : " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون " فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة . قال ابن العربي : وهذا كله ثابت في الدين . أما قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون " فثابت في الدين لفظا ومعنى في هذه السورة . وأما قول : " شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة " فمعنى ثابت في الدين ، فإن من التزم شيئا لزمه شرعا . والملتزم على قسمين : أحدهما : النذر ، وهو على قسمين ، نذر تقرب مبتدأ كقول : لله علي صلاة وصوم وصدقة ، ونحوه من القرب . فهذا يلزم الوفاء به إجماعا . ونذر مباح وهو ما علق بشرط رغبة ، كقوله : إن قدم غائبي فعلي صدقة ، أو علق بشرط رهبة ، كقوله : إن كفاني الله شر كذا فعلي صدقة . فاختلف العلماء فيه ، فقال مالك وأبو حنيفة ، يلزمه الوفاء به . وقال الشافعي في أحد أقواله : إنه لا يلزمه الوفاء به . وعموم الآية حجة لنا ، لأنها بمطلقها تتناول ذم من قال ما لا يفعله على أي وجه كان من مطلق أو مقيد بشرط . وقد قال أصحابه : إن النذر إنما يكون بما القصد منه القربة مما هو من جنس القربة . وهذا وإن كان من جنس القربة لكنه لم يقصد به القربة ، وإنما قصد منع نفسه عن فعل أو الاقدام على فعل . قلنا : القرب الشرعية مشقات وكلف وإن كانت قربات . وهذا تكلف التزام هذه القربة بمشقة لجلب نفع أو دفع ضر ، فلم يخرج عن سنن التكليف ولا زال عن قصد التقرب . قال ابن العربي : فإن كان المقول منه وعدا فلا يخلو أن يكون منوطا بسبب كقوله : إن تزوجت أعنتك بدينار ، أو ابتعت حاجة كذا أعطيتك كذا ( 1 ) . فهذا لازم إجماعا من الفقهاء . وإن كان وعدا مجردا فقيل يلزم بتعلقه ( 2 ) . وتعلقوا بسبب الآية ، فإنه روي أنهم كانوا يقولون : لو نعلم أي الأعمال أفضل أو أحب إلى الله لعملناه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وهو حديث لا بأس به . وقد روي عن مجاهد أن عبد الله بن رواحة لما سمعها قال : لا أزال حبيسا في سبيل الله حتى أقتل . والصحيح عندي : أن الوعد يجب الوفاء به على كل حال إلا لعذر .
--> ( 1 ) زيادة عن ابن العربي . ( 2 ) في ابن العربي : " بمطلقه " .